محمد ابو زهره

29

خاتم النبيين ( ص )

ولكن الذي يدل عليه الجمع بين الإيمان بالله تعالي ، والإيمان بالأوثان هو أن اعتقادهم في الأوثان لم يكن قويا مكينا ، بل هو اضطراب في الاعتقاد ، ولا استقرار فيه ، بحيث تستقر النفس وتطمئن ، وكيف يستقر عقل ، يجمع قبضة من التراب أو يقتطع قطعة من الحجر يجعله معبوده ، ويعبده أطراف النهار وزلفا من الليل ، وهو مع ذلك يجزم بأنه ليس بخالق ، ولكنه مخلوق . وإذا كانت الوثنية قد ضعفت في اخر أمرها قوة الأوثان ، فإن أوثان العرب خلقت فكرتها ضعيفة يوجد ما ينازعها ، أو يجعلها قلقة غير مستقرة إذ هي في نفسها تحمل عوامل ضعفها وردها ، ولكنه التقليد الأعمي ، الذي سد مسالك الإدراك على العقل . القلوب فارغة من إيمان : 25 - إن الذي ذكرناه أن القلوب والعقول كانت فارغة تحتاج إلى ما يملؤها ويسد فراغها ، ولا يتركها شاغرة في شرق الأرض وغربها ، يستوى في ذلك قاصى الأرض ودانيها ، فالشرق الأقصى كما يعبر رجال السياسة لم يكن فيه إيمان بشيء ، وقد كانت الأوهام هي التي تسيطر ، والأوهام وإن استحكمت في نفوس من تسيطر عليهم غير صالحة للبقاء ، إنما الذي يصلح للبقاء مما يسيطر على النفوس هو ما يكون متفقا مع حكم العقل ، والتفكير السليم . والأوهام وإن قويت لا تستطيع مقاومة العقل ، ومثل الأوهام كمثل الضباب يبدده ضوء الشمس ، فكذلك العقل يبدد ضباب الأوهام ، ويشكف عن المدارك غمتها . والهنود تسيطر عليهم أوهام أشد ، وظلم اجتماعي غير صالح للبقاء ، والفرس ظهر عندهم مذاهب هدامة تهدم الإنسانية . فتجتثها من جذورها أو تهدم أخلاقها التي يتماسك بها احادها . والرومان وما كان تحت ظلهم قد فقدوا الإيمان ، فاستبدلوا بالوثنية النصرانية التي ابتدعوها ، ولكن لم يثبت بها إيمان إلى القرن السادس . وليس فقد الإيمان كان خاصا بالعقيدة فيما وراء الطبيعة ، بل كان مفقودا في القيم الإنسانية الخلقية كما هو مفقود في العبادة والألوهية ، فلم يكن ثمة خلق إنساني سليم ، بل كان كل شعب ينظر إلى الاخر نظرة العداء ، وأصبح التفكير الخلقي مقصورا على معاملة أبناء الوطن الواحد ، لا أبناء الإنسانية عامة . وعم ذلك ولم يخص ، حتى كان الفلاسفة لا يؤمنون بحق الشعوب ، فأفلاطون قد كان يعتبر ما عدا اليونان من الناس برابرة ، وكل من يبعد عن وطنه فرسخا أو دونه يسترقه من يلقفه من غيره ، وقد وقع الرق على أفلاطون نفسه ، حتى افتدى ، وهكذا قد فقد الإيمان بالقيم الإنسانية كما فقد الإيمان بالألوهية .